الجصاص

454

أحكام القرآن

فإن احتجوا بما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ مرة مرة وقال : " هذا وضوء من لا يقبل الله له صلاة إلا به " قيل له : ليس في هذا الخبر ذكر الترتيب وإنما هو حديث زيد العمى عن معاوية بن قرة عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ مرة مرة ثم قال : " هذا وضوء من لا يقبل الله له صلاة إلا به " ثم توضأ مرتين مرتين ، وذكر الحديث ، فلم يذكر فيه أنه فعله مرتبا ، وليس يمتنع أن يكون قد بدأ بالذراعين قبل الوجه أو بمسح الرأس قبله ، ومن ادعى أنه فعله مرتبا لم يمكنه إثباته إلا برواية . فإن قيل : كيف يجوز أن يتأول عليه ترك الترتيب مع قولك إن المستحب فعله مرتبا ؟ قيل له : جائز أن يترك المستحب إلى غيره مما هو مباح ، ومع ذلك فيجوز أن يكون فعله غير مرتب على وجه التعليم ، كما أنه أخر المغرب في حال على وجه التعليم والمستحب تقديمها في سائر الأوقات . فإن قيل : فإن لم يكن فعله مرتبا فواجب أن يكون فعله غير مرتب واجبا ، لقوله : " هذا وضوء من لا يقبل الله له صلاة إلا به " . قيل له : لو قبلنا ذلك وقلنا مع ذلك إن اللفظ يقتضي وجوب فعله على ما أشار به إليه من عدم ترتيب الفعل لكنا أجزناه مرتبا بدلالة تسقط سؤالك ، ولكنا نقول إن قوله : " هذا وضوء " إنما هو إشارة إلى الغسل دون الترتيب ، فلذلك لم يكن للترتيب فيه مدخل . فإن احتجوا بما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم صعد الصفا وقال : " نبدأ بما بدأ الله به " وذلك عموم في ترتيب الحكم به واللفظ جميعا ، قيل له : هذا يدل على أن " الواو " لا توجب الترتيب ، لأنها لو كانت توجبه لما احتاج إلا تعريفه الحاضرين وهم أهل اللسان ، ولا دلالة فيه مع ذلك على وجوب الترتيب في الصفا والمروة فكيف به في غيره ! لأن أكثر ما فيه أنه إخبار عما يريد فعله من التبدئة بالصفا ، وإخباره عما يريد فعله لا يقتضي وجوبا ، كما أن فعله لا يقتضي الإيجاب ، وعلى أنه لو اقتضى الإيجاب لكان حكمه مقصورا على ما أخبر به وفعله دون غيره . فإن قيل : قوله صلى الله عليه وسلم : " نبدأ بما بدأ الله به " إخبار بأن ما بدأ الله به في اللفظ فهو مبدو به في المعنى ، لولا ذلك لم يقل : " نبدأ بما بدأ الله به " إنما أراد التبدئة به في الفعل ، فتضمن ذلك إخبارا بأن الله قد بدأ به في الحكم من حيث بدأ به في اللفظ . قيل له : ليس هذا كما ظننت ، من قبل أنه يجوز أن يقول : نبدأ بالفعل فيما بدأ الله به في اللفظ ، فيكون كلاما صحيحا مفيدا . وأيضا لا يمتنع عندنا أن يريد بترتيب اللفظ ترتيب الفعل ، إلا أنه لا يجوز إيجابه إلا بدلالة ، ألا ترى أن " ثم " حقيقتها التراخي ، وقد ترد وتكون في معنى " الواو " كقوله تعالى : ( ثم كان من الذين آمنوا ) [ البلد : 17 ] ومعناه : وكان من الذين